قضيت وقتي كله أتساءل إن كان بإمكان المرء أن يسير خلال الحياة وحيدًا بلا أهل ولا رفقاء؛ تساءلتُ فقط كي أواسي ذاتي وأشعرها بأنّنا بخير، وبأنّ هجرَنا جميعَ من أحبَبْنا قبل أن يهجرونا كان وسيظل أكثرَ قراراتِنا حِكمة… ورمَت الحياة الإجابة في وجهي فور ملاحظتها أنني جزءٌ منها، مخبرةً إياي أنّ الشوائب لا مكان لها، وأن أمثالي ما هم إلا جسور بين دنيا الحقيقيين وآخِرَتهِم.
لا يمكنني الحديث بصراحةٍ عن المشاعر التي تغمرُني كلّما جالَ في ذهني أني لست سِوى أداة.. لا يمكنني فعل أي شيءٍ حيالها سوى البكاء، وأكره كيف أنّ هذا مثيرٌ للشفقة جدًا… تمنّيت أن أكون بطل روايةٍ أكتبها يومًا، ثُم أرَدت فقط أن أكون بطلَ قِصةٍ قصيرة، ولكنّ قِصّتي مَسروقَةٌ ومُكَرّرة، لا أحداثَ فيها ولا ذروة، لا شيءَ يدفَع أحدَهم لتضييع وقته في إكمالِ قِراءَتها، ولا شيءَ يدفعني لتضييع وقتي في إكمالِ كتابَتها.
كم تمنّيتُ أن أكونَ إنسانًا كاملًا بأحلامٍ وأفكارٍ تُهِم أحدَهم، أو تُهمّني أنا حتى، ولكني وجدت الحال لا يتغيرُ مهما تظاهَرتُ أنّه قد فعل، ومهما آلمت نفسي وبكيت وصرخت لأغيّره… أمي لم تُرِدني، ولم يُرِدني أحدٌ بعدَها.. هل يُحزِنُني الأمرُ حقًا، أم أنّ عِنديَ بعضَ الوقتِ الذي أوَدُّ تضييعَه في تنميق صياحِيَ هذا وزَخرفَتِه كي لا يؤلمَ قارئَه، الذي لا يَقين عِندي بوجودِه؟ لا عِلمَ لدَيّ بحقيقةِ هذا الأَمر، ولا بحقيقةِ ذاتيَ التي إنْ علِمتُها زالَت كُلّ آلامِي.
تَمُرّ الأشياءُ خلالِيَ أكثَرَ من مُرورِي خِلالَها، وأغلَبُ مُشاجَراتِي مع من يُمكِنهم رؤيَتي تدور حولَ اقتناعِهم بأنّ جُدرانَ غُرفتِي، التي طَليتٌها بيدَيّ باللون الأَسوَد، هي في الحقيقةِ كانت ولم تزل وَردِيّةَ اللونِ… أحيانًا يأخذهم تبجّحهم ليزعموا أنّ الغرفة التي قضيت عُمرِيَ كُلّه حَبيسَتَها لَيسَت لِي!
تتجَسّدُ أمامي اللاجَدوى من هذه الحياةِ عِندما أنظرُ إلى يَدايَ المُرهقتان المُلطّخَتَانِ بالسوادِ، وأشتَمُّ رائحةَ الطِلاءِ النفّاذة، فقط كَي يأتي أحدُ أولَئكَ الحَقيقيينَ ليَسرِقَ منّي ما ظننتُه واقِعيَ أنا.
أراني بقعةً قبيحةً على لوحةٍ كانَ كمالُها سيَوقِفُ قلبَ الناظِرَ إليها بُرُهاتٍ إنْ لم أكُن هناكَ لأشوِّهَها وأُنقِصَ من جَمالِها… ولِكن أَلي عُذرٌ إِن عُلِمَ أني فعلت هذا بها فقط لأحبِسَها مَعي في دُنياي الناقِصة، كي يتسنّى لِي النظرُ إلَيها طَويلًا كما أراد الجميعُ أن يفعَل؟ أيجِدُني أنا ولوحتي بعض من يقدّرون أنصافَ الأشياءِ بأيّة حال، ولا يتذمّرون لوجود الخِلالُ أمثَالي؟ هل سيصرخون ويحاولون إحراقيَ كما فعَلَ الساعونَ إلى الكَمالِ في ذلك الزمانِ السابِق؟ أم أنّهم سينظُرونَ إلى ألوانيَ التي لا تتماشى عشوائيتها مع تناسق الخلفيّة، ويجِدونَ ما يَجعلُها ذات معنىً يُريهِم فيها انسجامًا رغم قُبحِها الواضحِ؟
لا أدري إن كنت أودّ التأكيد على أنّ الوِحدَةَ تَروقُني حقًا، ولكن لا حَاجَةَ للكَذبِ هذة المرّة لأنّه ما مِن ناظرٍ ولا مُستمِع.. لا حاجة لارتداءِ أيّة ثياب جميلة، ولا لتَركِ أيّة انطِباعاتٍ زائفةٍ لحمايَتي.
الحقيقة هي أني لا أشعرُ بأن لِي مَكانًا بين الناس، ولا في هذا العالم، ولم أشعر بذلك يومًا.
الحقيقة، هي أني قد سئِمتُ كوني إنسانًا بهذا السوء.
آهٍ يا قلبي… متى ننتهي؟
~◊~
Art: Eleven AM by Edward Hopper.
